إخوان الصفاء

155

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء

ويسير إليها ويثني عليها ويصفها بالحسن والجمال مما يقصر وصف الحور العين في جنب ذلك . وإذا شربا سألا اللّه الّا يعد مهما ما هما فيه ، ولا يغيّر ما بهما من نعمة ، وأن يبقيهما على تلك الحال أبدا ما بقي الدهر . فلما أبصر الملك والوزير ما هما فيه من اللذّة والسرور والفرح ، طال وقوفهما متعجّبين من حال ذينك المسكينين . ثم قال عند ذلك الملك للوزير : ما أظن أني في طول حياتي وعزّ سلطاني ونعيم ملكي وأيام شبابي ومجالس لهوي ، مع تمكني من شهواتي ، بلغ مني الفرح واللذّة والسرور ما يصف هذان المسكينان الحقيران الوضران من حالهما ، ومع هذا كله أظن أنه لا تفوتهما هذه الحال كلّ ليلة إن أرادا ، لأنه لا يعرض لهما شيء من العوائق التي تعرض لنا من الأشغال المانعة عن فراغ مجلس اللذّة واللهو ، مثل خروج الخوارج في أطراف المملكة ، واضطرب النواحي وشغب الجند وطلبهم الأرزاق ، ومثل النظر في تظلّم الرعية وهمج العامّة ، والنظر في محاسبة الكتّاب وتولية العمّال ، ومثل النظر في التعازي والتهاني ، والنظر في أمر الخاصة وإصلاح أمر العامة ، ومثل النظر في القصص والتوقيعات وحفظ الخزّان وتفقّد الرسل الواردين من الأطراف وإكرامهم والتجمّل لهم ، ومثل النظر في الكتب الواردة من أصحاب الأخبار وكتب أجوبتها وما شاكل هذه من الأشغال المنغّصة للعيش المنقّصة للذّات ، الموردة للغموم والهموم والأحزان . ثم قال الملك : ولكن أظن أنه لو كان هذان المسكينان دخلا منازلنا ، وألبسا ثيابنا ، وأبصرا مجالسنا ، وذاقا من طعامنا ، وعاينا أحوال ملكنا ، وشاهدا عز سلطاننا ، وعرفا لذّة نعيمنا مرة واحدة مقدار ساعة ، ثم ردّا إلى حالهما لما تهنّيا بالعيش بعد ذلك ، ولا وجدا لهذه الحال النكرة التي هما فيها لذّة أبدا ، وصغر في أعينهما ما هما فيه من اللذة والفرح والسرور . فلما فرغ الملك من هذا الخطاب وسمع الوزير قول الملك ، تذكر ما قال